محمد متولي الشعراوي

6004

تفسير الشعراوى

والرحمة ، والعمل الصالح ، فإيّاك أن تفرح بذلك ؛ ففوق كل ذلك فضل اللّه عليك ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ وأنت وكل المؤمنين مهما عملوا في تطبيق منهج اللّه ، فكلّنا بعباداتنا لن نؤدى حقّ النعم الموجودة عندنا قبل أن نكلّف ، وعلينا أن نتدبّر قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » . قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا إلا أن يتغمّدنى « 1 » اللّه برحمته « 2 » » . إذن : فإن افتخر إنسان بطاعته لله ، فهذه الطاعة تعود على العبد في دنياه ، وهو لن يؤدى بطاعته حق كل النعم التي أسبغها اللّه عليه . ومثال ذلك : إن العبد لا يكلّف إلا عند البلوغ ، أي : في سنّ الخامسة عشرة تقريبا ، فإن نظر إلى النعم التي أسبغها اللّه تعالى عليه حتى وصل إلى هذه السّنّ ، فهو لن يحصيها « 3 » ، فما بالنا بالنعم التي تغمرنا في كل العمر ، وحين يجازينا الحق في الآخرة ، فهو لا يجازينا بالعدل ، بل يعاملنا بالفضل . إذن : إياك أن تقول : أنا تصدّقت بكذا ، أو صلّيت كذا ؛ حتى لا تورثك استجابتك لمنهج اللّه غرورا بعملك التعبّدىّ ، وتذكّر القول

--> ( 1 ) تغمّده اللّه برحمته : أدخله فيها وغمره بها . قال أبو عبيد : قوله « يتغمدني » : يلبسنى ويتغشّانى ويسترني . [ لسان العرب : مادة ( غ م د ) ] . ( 2 ) متفق عليه . أخرجه البخاري في صحيحه ( 6463 ) ومسلم في صحيحه ( 2816 ) عن أبي هريرة . ( 3 ) وقد قال الحق سبحانه : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها . . ( 18 ) [ النحل ] وقد أفرد سبحانه النعمة هنا ؛ لأن كل نعمة من نعم اللّه عليك وإن اعتبرتها واحدة في نظرك فهي مشتملة على نعم لا تحصى ولا تعدّ ، فما بالك بالنعم مجتمعة .